منتديات ملتقي الاحبة السوداني
زوارنا الأفاضل مرحبا بكم في منتداكم الذي يحتوي علي الكثير والمفيد في عالم الإقتصاد _ السياسة _ الإجتماع _ الشعر _ الغناء _ القصص _ وكل ماهو طيب . إذن أكمل إجراءت تسجيلك في هذا المنتدي وتمتع بمزايا عديدة
تحياتي أيمن خلف الله أبودبارة المدير العام

منتديات ملتقي الاحبة السوداني

أنشئ هذا المنتدي من أجل منهجية ودراسة أثر التركيب الإجتماعي في السودان . ويشتمل لمنتدي علي العديد من المنتديات الفرعية التي توفر العلم والمعرفة وكذلك يوجد بها العديد والعديد من المواضيع المفيدة
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولالبرامج
مرحبا بك أيها الزائر الكريم مع تمنياتنا لك بقضاء أمتع الاوقات أكمل تسجيلك وكن أحد التيم العامل بالمنتدي وتمتع بالعضوية
مرحبا بكم في منتديات ملتـــــــــــــــــــقي الأحبـــــــــــــــــة مع تحيات أيــــــــــــــــــــمن خلف الله أبودبارة المدير العام

شاطر | 
 

 الســـــــــــــودان التجربة المتفردة والفشل المركب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أيمن خلف الله أبودبارة
مدير المنتدي
avatar

عدد المساهمات : 80
نقاط : 225
تاريخ التسجيل : 04/03/2011
العمر : 30
الموقع : السودان _ الجزيرة _ جنوب الجزيرة _ أم مرحي أبودبارة

مُساهمةموضوع: الســـــــــــــودان التجربة المتفردة والفشل المركب   الإثنين أبريل 04, 2011 11:10 pm

االسودان : التجربة المتفردة والفشل المركب
"الحلقة الشريرة" وخصوصيات انقلاب الفريق البشير
انتحار الإنقاذ و "مسك الختام"

الانقلاب العسكري الذي حدث في صبيحة 30 من يونيو 1989م لم يكن مفاجئا لكونه حلقة جديدة في الدائرة الشريرة التي ظلت الحركة السياسية السودانية حبيسة جدرانها ، من نظام ديمقراطي يطيح به انقلاب عسكري تسقطه انتفاضة شعبية تأسس لنظام ديمقراطي جديد يمهد بدوره الطريق للعسكر لتسلم السلطة مرة أخرى. وخلال ما يزيد عن 45 عام هي عمر الدولة المستقلة في السودان نجح العسكر في الاستيلاء على السلطة ثلاثة مرات [ الفريق إبراهيم عبود في عام 1958م ، المشير جعفر نميري في عام 1969م والفريق عمر البشير في عام 1989م ] وفشلوا في عشرات المرة الأخرى ، لكنهم قضوا في السلطة ما مجموعه 34 عام كاملة ، فيما بلغ مجموع الفترات الديمقراطية بما فيها المراحل الانتقالية 11 عاما فقط.
لكن جديد الانقلاب الأخير ارتبط بأنه حمل إلى السلطة وللمرة الأولى الحركة الرئيسية من بين حركات الإسلام السياسي الراديكالي في السودان. ورغم أن قيادة الانقلاب نجحت في الأيام الأولى وبدعم استخباري ودبلوماسي مصري في التمويه على هوية الانقلاب الحقيقية على الأقل خارج حدود السودان ، إلا أن الوجه الحقيقي سرعان ما بدأ يتكشف واضطرت "قيادة الجبهة الإسلامية القومية" أن تخرج للعمل السياسي العلني وقامت بتكليف قياداتها المعروفة بتولي وظائف رفيعة في النظام الجديد.

مؤشرات مبكرة

من بين العديد من العوامل والوقائع التي يمكن اعتبارها دلائل مبكرة للفشل أن الحركة الإسلامية السودانية كما يحلو لزعيمها ومؤسسها الحقيقي الدكتور حسن الترابي تسميتها تعجلت الوصول إلى السلطة دون تمعن حقيقي في بواطن الواقع السوداني الذي ستتحكم في مفاتيحه. هنا سنتحدث عن حقيقتين رئيسيتين تتعلقان بالتركيبة المتميزة لبلد كالسودان وبالصيغة التي اختارها إسلاميو السودان للاستيلاء على السلطة.
السودان بلد قارة هو أكبر بلدان القارة الأفريقية حيث تفوق مساحته 2.5 مليون كيلومتر وهو يمتد من عمق المناطق الاستوائية في القارة السوداء إلى داخل الصحراء الكبرى ما بين خطي العرض 3 و 22 درجة شمال. ويتمتع السودان بحدود مباشرة مع تسعة دول وبحدود عبر البحر الأحمر مع المملكة العربية السعودية. في داخل هذا الفضاء الشاسع تتعايش قوميات متنوعة تعطي لهذا البلد ثروة بشرية وثقافية غير محدودة. أكثر من 100 قبيلة تنحدر من أصول أفريقية وعربية وكثير منها نتاج لتزاوج عربي-أفريقي يتحدث أفرادها 120 لهجة ولغة محلية بجانب اللغة العربية التي تعتبر وسيلة التواصل بين مختلف القبائل والقوميات مع حضور للغة الإنجليزية وخاصة في جنوب السودان باعتبارها كانت ولوقت قريب لغة التعليم والعمل فيه.
أما المعتقدات الدينية ، فالإسلام هو الدين الأوسع انتشارا لكن ممارسته لا تخلو من أبعاد ونكهة محلية تميزه ، وسيطرة كاملة للمذهب السني . تليه الديانة المسيحية بمذاهبها المختلفة ويعتنقها ما لا يقل عن 20 في المائة من السودانيين وتتركز غالبية المسيحيين في جنوب السودان. أخيرا هناك أقلية من معتنقي الديانات المحلية والأفريقية ويتوزعون في هلال يمتد من الجنوب الشرقي إلى الجنوب الغربي يشمل كل مناطق جنوب السودان.
هذا التنوع لم يكن مصدر قوة للسودان ، بل ظل على الدوام موضوع نزاع استغله المستعمر البريطاني لإضعاف الحركة الوطنية وبذر الخلاف بين أبناء الوطن الواحد. واستمر الحال على ما عليه ما بين الحكومات الوطنية التي سيطرت عليه النزعات العربية-الإسلامية ومواطني الأقليات بسبب تبني هذه الحكومات لسياسات تكرس هيمنة الشمال العربي-المسلم على الجنوب الأفريقي-المسيحي كما جرت العادة على نعت أطراف النزاع السوداني. وكان نتاج ذلك حرب أهلية ما زالت رحاها دائرة في السودان منذ العام 1955م. يضاف إلى ذلك تداخل قبلي مع دول الجوار التي تعاني بدورها من صراعات مماثلة مما جعل التدخل في القضية السودانية الداخلية سمة ملازمة للعلاقات مع الجيران. وقد أدى إعلان الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري لتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية في البلد في عام 1983م بدفع من قيادات الجبهة الإسلامية القومية إلى إضفاء بعد جديد على "حرب الجنوب". ومن هنا كان تولي هذا التنظيم للسلطة مؤشر على أن البعد الديني سيأخذ كامل أبعاده في هذه الحرب.
الحقيقة الثانية أن الدكتور حسن الترابي ورفاقه اختاروا الانقلاب عسكريا على تجربة وفرت لهم كل الحريات التي كانت الأحزاب الإسلامية تشكو من انعدامها في بقية البلدان العربية والإسلامية الأمر الذي ألب عليهم منذ اللحظة الأولى منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني في العالم الغربي والتي وضعت السودان على قائمة أجندتها. كما أن الانقلاب مثل إشارة البداية لوصول حركة إسلامية للسلطة في بلد سني الأمر الذي حول السودان إلى معمل اختبار ينظر إليه الجميع : من جهة ، دعاة أن الإسلام "دين ودولة" ليبرهنوا من خلال نجاح التجربة على صلاحية "الإسلام لكل زمان ومكان" وقدرات هذا الدين على التكييف في داخل كل بيئة يطبق فيها. ومن جهة أخرى ، المنادون بفصل كامل "للدين عن الدولة" باعتبار أن الأحزاب الإسلامية هي أحزاب سياسية مثل غيرها تستغل الدين لغرض كسب المؤيدين لبرنامج اقتصادي-اجتماعي وأن التجربة السودانية ستكون الحكم على صحة منظورهم.

الطريق إلى السلطة

لكن قبل الدخول في حصيلة 12 عام من حكم "الحركة الإسلامية" في السودان لابد أن نعرج للحديث وبسرعة عن التطور الشديد الذي شهدته هذه الحركة منذ استقلال السودان وحتى منتصف الثمانينات مما حولها من حلقات صفوية لأعداد محدودة من المثقفين المرتبطين بحركة "الأخوان المسلمين" في مصر إلى تنظيم ذو قاعدة سياسية واقتصادية أتاحت له الانفراد بالسلطة على حساب بقية الأحزاب السياسية في السودان. ومن المؤكد أن مثل هذا التطور ما كان ليحدث لولا تولي رجل بأبعاد الدكتور الترابي لقيادة الحركة التي تأسست في السودان في منتصف الأربعينات والخمسينات من خلال مجموعات الطلاب العائدين من فترات دراسية في الجامعات والمعاهد الدينية في مصر. وتعززت قدرات الحلقات الوليدة بعد أن باشر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حملته على حركة الأخوان المسلمين دافعا عدد كبير من القيادات والأئمة إلى التوجه لدول أخرى من بينها السودان. وواصلت الحركة عملها في السودان تحت اسم "جماعة الأخوان المسلمين" كحركة صفوية محدودة النفوذ السياسي والاجتماعي لكنها ذات حضور قوي في أوساط الحركة الطلابية التي مثلت فيها البديل المتاح عن اليسار المرتبط بالحزب الشيوعي السوداني أحد أقوى الأحزاب الشيوعية الأفريقية والعربية في ذلك الوقت.
سياسيا ، اختارت الحركة العمل تحت عباءة الأحزاب الطائفية الكبرى في السودان [ طائفتي الختمية و الأنصار ] لتمرير برنامجها السياسي والذي انحصر حتى عام نهاية الدكتاتورية العسكرية الأولى في عام 1964م في الدعوة لمشروع "الدستور الإسلامي". لكن الدور الذي لعبته بعض كوادر التنظيم في التحرك الشعبي في أكتوبر من ذات العام للإطاحة بالفريق إبراهيم عبود ، لفت الأنظار إلى عدد من القيادات الشابة في داخل هذا التنظيم وفي مقدمتهم الدكتور حسن الترابي الذي نجح في العام الذي يليه في الفوز بمقعد في البرلمان السوداني المنتخب. وكان واضحا أن الدكتور الترابي ليس وحده بل هو يحمل راية تيار داخل هذا التنظيم يطالب بتغييرات كبيرة في مناهج وأساليب عمل الحركة. ونجح هذا التيار عبر ضربات متتالية وعلى مدى 15 عام في السيطرة على مقاليد الأمور في داخل التنظيم الذي شهد تغييرات كبيرة:
أولا ، أنجز الترابي تحول كبير في البنية التنظيمية من خلال إخراج التنظيم من عمل الحلقات الصفوية التي أصبحت تمثل حلقات الطلائع القيادية إذا قارناها بالأحزاب الشيوعية إلى بناء تنظيمات جماهيرية ذات قاعدة واسعة ومفتوحة لكل التيارات الإسلامية التي تتبنى مبدأ "الحاكمية لله". وجرى ذلك على فترات مختلفة بدأت "بجبهة الميثاق الإسلامي" في النصف الثاني من الستينات مرورا بالعمل تحت عباءة "الاتحاد الاشتراكي السوداني" التنظيم الحاكم على زمن الرئيس نميري الفترة التي أعقبت المصالحة الوطنية في عام 1977م وحتى سقوط هذا النظام في 1985م ، ومن ثم إنشاء الجبهة الإسلامية القومية في عام 1985م في فترة الديمقراطية الثانية ، وصولا إلى قيام "المؤتمر الوطني" كتنظيم واحد وجامع لدعم نظام الفريق البشير ، وانتهاء بالإعلان عن قيام حزب المؤتمر الشعبي في عام 2000م بعد الطلاق مع جناح الرئيس عمر البشير ونائبه علي عثمان محمد طه.
ثانيا ، نأى الدكتور الترابي بتنظيمه عن حركة الأخوان المسلمين وعن الإسلام التقليدي الذي تنادي به. وتبنى الدكتور الترابي اطروحات أقل ما توصف به أنها غير معهودة تتسم "بالبراغماتية" حتى في فتاويها الدينية وهي التي يشار إليها عند الحديث عن التجربة السودانية "بفقه الضرورة". وانتهى الأمر بقطيعة مع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين وتكوين المنشقون عن الدكتور حسن الترابي لتنظيم يحمل نفس الاسم. وهو ما يفسر التعاطف الكبير الذي أظهرته تنظيمات الأخوان المسلمين مع الفريق عمر البشير في صراعه مع الدكتور حسن الترابي.
ثالثا ، ركز الترابي على ضرورة المشاركة النسائية في العمل السياسي وفتح أبواب التنظيم وقوائمه الانتخابية للنساء المتعلمات ، كما أظهر التنظيم وعيا مبكرا بأهمية بناء التنظيمات الجماهيرية مستفيد في ذلك أيضا من تجربة خصمه الحزب الشيوعي السوداني حيث أقامت الحركة في المراحل المختلفة من عملها تنظيمات شبابية ونسائية وفئوية وشاركت في العمل النقابي بنشاط رغم أن دورها فيه ظل محدودا لوقت طويل.
أخيرا ، عمل التنظيم على إنشاء مؤسسات وهيئات اقتصادية ودفع كوادره إلى دخول عالم الأعمال. ونجح الحزب انطلاقا من المصالحة الوطنية التي فتحت أمامه أبواب العمل العلني في بناء قاعدة اقتصادية قوية من مؤسسات التمويل والمصارف والشركات أتاحت له السيطرة على قطاعات اقتصادية هامة وتوفير التمويل لأنشطة التنظيم وتوفير مستويات معيشة مرتفعة لكوادره ومؤيديه.

حصاد سنوات السلطة

حقق الإسلاميون في السودان حلمهم في الوصول إلى الحكم والذي يبدو أنه كان يمثل غاية في حد ذاته. فمنذ اليوم الأول للانقلاب لجاءت قيادة الجبهة الإسلامية إلى التغطية على هوية العمل العسكري لعلمها أنه سيواجه برفض شعبي. بل لأنها ذهبت كما ذكر الدكتور الترابي في فترة لاحقة إلى إقرار ذهاب بعض قيادات التنظيم للسجن مع بقية قيادات الأحزاب السياسية للتمويه حول طبيعة السلطة الجديدة. وظل قادة الانقلاب يكررون القول بأنهم ضباط وطنيون لا انتماء لهم ، لكن ذلك لم يكن كافيا لمنع تسرب المعلومات حول الهياكل الموازية للحكم التي أقامها التنظيم.

الأمن قبل كل شئ

هذه لم تكن المشكلة الوحيدة التي واجهها النظام الجديد في أيامه الأولى. فقد وضح جليا أن الانقلاب العسكري نفذ لقطع الطريق أمام قرار البرلمان بتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية تمهيدا لعقد "المؤتمر القومي الدستوري" لإيجاد حل سلمي لقضية الحرب في الجنوب وأن القادمين الجدد يفتقرون لبرنامج حكم واضح وحدد المعالم. لذا لجأ الحكام الجدد للتجريب في التعامل مع معضلات تسيير الشؤون اليومية للدولة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى في جانب العلاقات الخارجية. الجانب الوحيد الذي ظهرت فيه قدرات النظام الجديد منذ ساعاته الأولى كان الجانب الأمني-الاستخباري. وبدا جليا أن التنظيم يتمتع بكادر أمني و استخباري مدرب وجاهز لتولي مهامه منذ اللحظة الأولى واتضح لاحقا أن الغالبية دربت في أفغانستان في فترة الحرب ضد السوفيت وما تلاها وكذلك في إيران والأردن. لكن ذلك لا يعني أن منظور جديد مختلف للتعامل مع القضايا الأمنية قد طبق وهذا كان من أولى مظاهر الفشل. النظام الجديد أعطى الأولوية لتأمين بقاءه في السلطة من خلال مجموعة إجراءات لا تختلف عن تلك التي تتبناها كل الأنظمة الدكتاتورية بغض النظر عن طبيعتها الأيديولوجية ، يمينية كانت أم يسارية : حل الأحزاب السياسية ، اعتقال المعارضين ، حل النقابات العمالية ، فرض حالة الطوارئ ، وقف إصدار الصحف غير الحكومية ، فصل وتشريد المشكوك في ولائهم من العمل ، الخ ... أكثر من ذلك أن الأجهزة الأمنية للنظام جعلت من تعذيب المعارضين ممارسة مؤسسية كما تؤكد تقارير المنظمات الحكومية وغير الحكومية التي ترصد انتهاكات حقوق الإنسان.
وترافق ذلك مع إنشاء عدد من الأجهزة الأمنية ذات الاختصاصات المتشابهة والمتداخلة بغرض أن تراقب بعضها البعض مما قاد إلى انفلات حقيقي في الممارسة الأمنية وتحول هذه الأجهزة إلى سلطة داخل السلطة للحد الذي وصلت فيه إلى المشاركة في تدبير عملية اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا في عام 1996 م دون مراجعة المستويات السياسية العليا في الدولة. وأصبحت لهذه الأجهزة الكلمة العليا في كل ما يتعلق بالحرب في الجنوب والتعامل معها ، السياسة الخارجية والتعامل مع دول الجوار وصولا إلى علاقات الحكم مع تنظيمات المعارضة. ووفر مفهوم "التمكين" الغطاء الأيديولوجي بجانب "فقه الضرورة" بالطبع لكل هذه الممارسات التي تتعارض في كل تفاصيلها مع اطروحات حركات الإسلام السياسي حول "قيمة الحرية" في حياة الإنسان.

العودة للمربع رقم 1

على المستوى السياسي لم يكن أداء النظام الإسلامي متميزا بل على العكس اتسمت الممارسة بالتقليدية. فبعد 12 عاما في السلطة ما زالت القضايا الرئيسية تراوح مكانها أو تراجعت إلى الوراء ولعل الشاهد الرئيسي على ذلك هو قضية الحرب في جنوب السودان. احتلت قضية وقف الحرب موقعا متقدما في أولويات النظام : من جهة رفع النظام شعار الحسم العسكري ورفع شعارات الجهاد وعبء المقاتلون إلى مناطق العمليات [ مليشيات الدفاع الشعبي ] ، لكن النتيجة كانت استمرار الحرب واتساعها لتشمل مناطق لم تمسها من قبل وخصوصا في الشمال. وقاد تبني شعارات الجهاد والحرب الدينية إلى كسب الحركة الشعبية لتحرير السودان لدعم العالم الغربي وخاصة الهيئات والمنظمات الكنسية التي وجدت في شعارات الإسلام التي يرفعها النظام مبرر للتدخل.
ومن جهة أخرى حاول النظام البحث عن حل سلمي لهذه القضايا من خلال إتباع سياسة "فرق تسد" التي مارسها المستعمر البريطاني لكن هذه المرة من خلال استغلال الخلافات والتناقضات داخل الحركة السياسية الجنوبية. ولم تحقق هذه السياسة أيضا أهدافها وانقلب السحر على الساحر بعد أن استخدمت التنظيمات الجنوبية هذه السياسة نفسها لفرض اجندتها على الحكم . وانتهى الأمر بالنظام لقبول مبدأ "تقرير المصير" لجنوب السودان والتخلي عن سياسات الأسلمة والتعريب القسري للجنوب.
وبالطبع رفع الفريق الحاكم شعارات تطبيق الشريعة الإسلامية وأسلمة الحياة السياسية لكن ذلك تم عبر خطوات لا تختلف عن ما يطبق في بلدان أخرى تتبنى أنظمة علمانية. فقد بدأ النظام بحظر الأحزاب السياسية والأنشطة المستقلة مستخدما آلته الأمنية في قمع أي محاولات معاكسة. وحاول الحكم بناء تنظيم سياسي جامع لملء الفراغ السياسي في البلاد في بداية سنوات التسعينات ، وذهب به الأمر إلى تبني نظام المؤتمرات الشعبية الليبي في خطوة أقل ما توصف به أنها انتهازية تستهدف دعم ليبيا في وقت عانى فيه النظام من العزلة. ولم يختلف عمل هذا التنظيم عن عمل أي حزب حاكم وحيد من حيث الهيمنة على العمل السياسي والتبعية للجهاز التنفيذي وتحول إلى منبر "تطبيل" للنظام. وبعد سنوات من التجريب الفاشل عاد النظام ليطرح صيغة محدودة من التعددية حاول إضفاء غطاء إسلامي عليها بتسميتها "التوالي" مع وضع خطوط حمراء أطلق عليها "ثوابت الإنقاذ" تشكل أسوار ما هو مسموح به.
والآن عاد النظام إلى مغازلة الأحزاب السياسية التي حظرها ليدعوها للعودة وممارسة أنشطتها في داخل الإطار السياسي والقانوني الموجود مع وعود بتحسينه. بل مد الفريق البشير يده لحزب الأمة الذي كان حزب الأغلبية عند استيلائه على السلطة من أجل الدخول في تحالف حكم ، لكن هذا الأخير رد دعوة البشير دون أن يرفضها نهائيا. وتظل الخطوة الحاسمة لإخراج الحكم من عزلته هي موقفه من قضية الحريات ومتى استعداده لإطلاقها بما يسمح بعودة الأحزاب السياسية وهو ما يعني في نفس الوقت سقوط أحد ركائز "المشروع الحضاري".
على المستويات الاقتصادية والاجتماعية لم تكن ممارسة النظام بأفضل من أدائه السياسي ، فقد تراجعت شعارات "العدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية" لتحل مكانها سياسات التحرير الاقتصادي وفق روشتات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وهي نفس السياسات التي تظاهر الإسلاميون لمقاومتها في فترة الحكم الديمقراطي. وبلغ الفقر مستويات غير مسبوقة إلى درجة أن الحكومة عقدت مؤتمرات لمحاربته بعد أن بلغت نسبه ما يزيد عن 85 في المائة من السكان وفق التقديرات الرسمية. وأصبحت خدمات التعليم والصحة سلع يطاولها القادرون واختفت الهياكل التطوعية للعلاج والدواء والتعليم التي طالما تغنى بها منظرو الحركة الإسلامية للترك الساحة خالية أمام المدارس والمستشفيات الخاصة. ووجه جل صرف الدولة لتمويل الحرب في الجنوب وأجهزة الأمن وتكاليف جهز الدولة في الشمال.

"تثوير" السياسة الخارجية

جاء الحكم الجديد بشعارات لا تقل ثورية عن تلك التي كان يرفعها اليسار في سنوات الستينات والسبعينات ، لكن هذه المرة بمفردات جديدة. من "نصرة المستضعفين" إلى مشروع قلب أنظمة الحكم القائمة في الدول العربية ومساعدة التنظيمات الأصولية للوصول للسلطة فيها. زعزعة الاستقرار في دول الجوار ودعم الحركات المعارضة فيها . مرورا باستقبال الثوريين من كل حدب وصوب ابتداء بكارلوس وانتهاء بأسامة بن لادن وغيره من قيادات التنظيمات الراديكالية. وانتهاء بإنشاء "المؤتمر الشعبي العربي-الإسلامي" الذي مثل قناة الاستقطاب الدولي وبداية لتكوين "أممية إسلامية".
لا توجد دولة في المحيطين الأفريقي والعربي لم تجأر بالشكوى من توفير النظام السوداني الملجأ والدعم للحركات المعارضة: مصر ، تونس ، الجزائر ، ليبيا ، تشاد ، إريتريا ، أوغندا ، أثيوبيا على سبيل المثال ولا الحصر. بل تعدى الأمر الدول القريبة ليطال حتى الولايات المتحدة التي لم تتردد في ضم السودان لقائمة الدول التي تدعم الإرهاب.
لكن هذا الخطاب الثوري سرعان ما بدأ في التراجع أمام مقتضيات البقاء في الحكم. صحيح أن الكثيرين دهشوا لقرار النظام تسليم "كارلوس" إلى فرنسا في صيف الغام 1996م ، لكن هذه الدهشة ستتواري خجلا الآن بعد أن تكشف وباعتراف سفير السودان في الأمم المتحدة أن الخرطوم حاولت مقايضة أسامة بن لادن بعلاقات عادية مع واشنطن في عام 1996م. وصار من المعلوم الآن أن النظام سلم إسلاميين إلى كل من ليبيا ومصر في نفس الوقت الذي كان يرفع فيه شعارات الإسلام الراديكالي. ولعل الموقف الذي تبنته الخرطوم منذ اعتداءات نيويورك وواشنطن في شهر سبتمبر الماضي وتعاونها الأمني الكامل مع السلطات الأمريكية بل واستقبالها بعثة استخبارية أمريكية على أراضيها منذ أكثر من عام خير دليل على أن "المشروع الإسلامي" لم يكن سوى حجاب أستخدم للتغطية وأن "أمريكيا وروسيا لم يدنو عذابهما بعد".

"مسك الختام"

المتابعون للتطورات في السودان يتذكرون أن "مسك الختام" كان أسم عملية كبيرة قام بها الجيش السوداني ومليشيات الدفاع الشعبي في منتصف التسعينات كانت تستهدف حسم التمرد المسلح في الجنوب نهائيا. ولا حاجة بنا للقول هنا ماذا كانت النتيجة. لكننا سنستخدم نفس الاسم للحديث عن عملية أخرى نفذها الفريق البشير للتخلص من غريمه الدكتور حسن الترابي وقادت إلى انشقاق الحركة الإسلامية الحاكمة وأعلنت نهاية التجربة الإسلامية في السودان.
بدأت الخلافات تعصف بالتنظيم الحاكم منذ اللحظات الأولى للانقلاب بعد أن عمد الدكتور الترابي إلى إبعاد شيوخ التنظيم الإسلامي لصالح تصعيد العناصر الشابة التي تدين له بالولاِء. أي أن هذه السياسة لم تكن موجهة فقط ضد المعارضين بل شملت أيضا أعضاء التنظيم ويبدو أنها هدفت إلى تقليل نفوذ القدامى لصالح فرض سيطرة الشيخ حسن الترابي المطلقة على مصير الحركة. وترافق ذلك مع سياسة إبعاد تدريجي للعسكريين الذين نفذوا الانقلاب العسكري وإغراق للمؤسسات الحكومية بالمؤيدين لبناء دولة التنظيم.
ومع استمرار الحكم وتعقد المشاكل تزايدت الخلافات التي بدأت كخلافات حول الخيارات السياسية لكنها تطورت لتصبح خلافات حول المواقع والمغانم والنفوذ. هدف الدكتور الترابي كان تحويل الدولة إلى دولة الحزب حيث تبدأ كل الأمور من عند الزعيم وتنهي إليه. بالمقابل استشعر الفريق البشير وعدد من المحيطين به وخاصة عناصر الجهاز الأمني للنظام بالخطر الذي يحدق بهم. فبادروا بخلق تيار يعارض توجهات الدكتور الترابي ووجد هذا التيار الدعم من الخارج [ دول الجوار والدول الغربية ] التي كانت تبحث عن صيغة للتخلص من الوجه الإسلامي للنظام ممثلا في الدكتور الترابي على خلفية سهولة ترويض تيار السلطة.
من جانبه ، وجد الدكتور الترابي الفرصة في قرار إبعاده عن قيادة البرلمان في ديسمبر 1999م الفرصة لتبني خط سياسي جديد يدعو بالكامل للتخلي عن التوجهات "الشمولية" وينتقد ممارسات الحركة الإسلامية في السلطة ويدعو لانفتاح ديمقراطي حقيقي. وذهب الترابي إلى حد توقيع اتفاقية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان للعمل على إقامة نظام ديمقراطي تعددي في تجاوز واضح لاطروحات الأسلمة.وانتهى الأمر برفاق الأمس إلى تبادل اتهامات الخيانة ووضع الدكتور الترابي في السجن طوال الأشهر القليلة الماضية.
وهكذا "انتحرت" التجربة التي فشل أعدائها في إسقاطها بالقوة من الداخل والخارج ، لتفتح الطريق أمام آلاف الأسئلة حول ما سيكون عليه مستقبل الإسلام السياسي في السودان.
رشيد سعيد












الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eymoo.sudanforums.net
 
الســـــــــــــودان التجربة المتفردة والفشل المركب
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات ملتقي الاحبة السوداني :: الصــــــــــفحة الرئيسية :: المنتدي الســــــــــــــــــــياسي-
انتقل الى: